الحلبي
307
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
فما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما وتقدم أنهم نادوه صلى اللّه عليه وسلم من وراء الحجرات : يا محمد اخرج إلينا ثلاث مرات ، فخرج إليهم إلى آخر ما تقدم . ومنها وفد بني عامر فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس وجبار بن سلمى بضم السين وفتحها ، وكانوا أي هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم ، وكان عامر بن الطفيل عدو اللّه سيدهم ، كان مناديه ينادي بسوق عكاظ : هل من راجل فنحمله ، أو جائع فنطعمه ، أو خائف فنؤمنه ؟ وكان من أجمل الناس ، وكان مضمرا الغدر برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لأربد وهو أخو لبيد الشاعر : إذا قدمنا على هذا الرجل فإني شاغل عنك وجهه ؟ فإذا فعلت ذلك فاعله السيف ، وقد قال قومه : يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم ، فقال : واللّه لقد كنت آليت : أي حلفت أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي ، فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ، فلما قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال عامر بن الطفيل : يا محمد خالني : أي اجعلني خليلا وصديقا لك ، قال : لا واللّه حتى تؤمن باللّه وحده لا شريك له ، قال : يا محمد خالني ، وجعل يكلم النبي صلى اللّه عليه وسلم وينتظر من أربد ما كان أمره به فجعل أربد لا يأتي بشيء . وفي رواية لما أتاه صلى اللّه عليه وسلم عامر وسده : أي ألقى له وسادة ليجلس عليها ، ثم قال له صلى اللّه عليه وسلم : أسلم يا عامر ، فقال له عامر : إن لي إليك حاجة ، قال : أقرب مني ، فقربت منه حتى حنا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا يدل على أن قوله خالني : أي اجعل لي منك خلوة ، وهو المناسب لقول عامر لأربد إني أشاغل عنك وجهه . قال : وذكر أن عامر بن الطفيل قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد قال له أسلم يا عامر ، فقال : أتجعل لي الأمر بعدك إن أسلمت ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ليس ذلك لك ولا لقومك : أي إنما ذلك إلى اللّه يجعله حيث يشاء : أي وقال له : يا محمد أسلم على أن لي الوبر ولك المدر ، فقال : لا ، فقال : ما لي إن أسلمت ؟ فقال : لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم ، فقال : أما واللّه لأملأنها عليك خيلا ورجالا ، وفي رواية : خيلا جردا ورجالا مردا ، ولأربطن بكل نخلة فرسا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يمنعك اللّه عز وجل . قال السهيلي : وجعل أسيد بن حضير رضي اللّه تعالى عنه يضرب في رءوسهما ويقول اخرجا أيها الهجرسان : أي القردان ، فقال له عامر : ومن أنت ؟ فقال : أسيد بن حضير ، فقال : أحضير بن سماك ؟ قال نعم ، قال : أبوك كان خيرا منك ، قال : بلى أنا خير منك ومن أبي ، لأن أبي كان مشركا وأنت مشرك . ومكث صلى اللّه عليه وسلم أياما يدعو اللّه عليهم ويقول : اللهم اكفني عامر بن الطفيل بما شئت